عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
17
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
ما نزلت من علو إلى أسفل . وقال تعالى : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [ الحديد : 25 ] ومعلوم أن معدنه من الأرض . ( والجواب ) : عن قوله صلى اللّه عليه وسلم لما سأله أبو رزين : أين كان اللّه قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : « كان في عماء » ولو سأله أين كان قبل العماء وهو السحاب لأخبر أنه كان ولا شيء معه مع أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كان اللّه ولا شيء معه » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره » رواه البخاري فهو الآن على ما كان عليه أولا من أزل الآزال إلى أبد الآباد . وقال يهودي لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : أين ربنا ؟ قال : الذي أوجد الأين لا يسأل عنه بأين ، قال : كيف ربنا ؟ قال : الذي كيف الكيف لا يقال عنه كيف ، قال : متى كان ربنا ؟ قال : ويحك ومتى لم يكن . ( والجواب ) : عن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق : إن رحمتي سبقت غضبي » فهو مكتوب عنده فوق العرش أنه عندية مكانة لامكان لأن المكان لا يضاف إليه تعالى . ( فإن قيل ) : ما بال الصحابة رضي اللّه عنهم لم يتكلموا في شيء من ذلك ؟ ( فالجواب ) : نعم تكلم فيه حبر الأمة ابن عباس وابن عمه كما تقدم قريبا وسيأتي ما قاله علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في المعراج مع أنه لم يكن ثم مجسم ولا معطل واللّه المستعان وعليه التكلان . فصل في الذكر قال اللّه تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] ( فإن قيل ) : كيف يجمع بين هذه وبين قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنفال : 2 ] ( فالجواب ) : أن المراد بالذكر في الأنفال ذكر العظمة وشدة انتقامه ممن عصاه لأنها نزلت عند اختلاف الصحابة في غنائم بدر فناسب ذكر التخويف وآية الرعد فيمن هداه وأناب إليه فناسب ذكر الرحمة وقد جمع بينهما في سورة الزمر فقال تعالى : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 23 ] أي إلى رحمته وكرمه . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من أكثر ذكر اللّه أحبه اللّه » وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « مررت ليلة أسري بي برجل مغيب في نور العرش قلت : من هذا أهذا ملك ؟ قيل : لا . قلت : نبي ؟ قيل : لا . قلت : من هذا ؟ قيل : هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطب بذكر اللّه وقلبه معلق بالمساجد » وعن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم عن ربه عز وجل : « لا يذكرني عبد في نفسه إلا ذكرته في ملإ من ملائكتي ، ولا يذكرني في ملإ إلا ذكرته في الرفيق الأعلى » . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان بضم الجيم وسكون الميم فقال : « سيروا هذا جمدان سبق المفردون » قالوا : وما المفردون ؟ قال : « الذاكرون اللّه كثيرا » رواه مسلم . وفي الترمذي : قيل : وما المفردون ؟ قال : « المستهترون بذكر اللّه يضع عنهم الذكر أثقالهم فيأتون اللّه خفافا » قال في الترغيب والترهيب : المفردون بفتح الفاء وكسر الراء المشددة والمستهترون بفتح